حزب الاصلاح و التنمية هو حزب سياسى مصرى أنشأه مجموعة من الشباب المخلص لوطنه بهدف اشتراك المواطنين فى الحياة السياسية و مواجهة الفساد و العمل على بناء حياة كريمة لنا جميعا فى و طننا الحبيب مصر
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الانتقـــام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
ADMIN
ADMIN
avatar

عدد المساهمات : 383
تاريخ التسجيل : 24/11/2009

مُساهمةموضوع: الانتقـــام   الجمعة ديسمبر 04, 2009 12:43 am

الانتقـــام



هذه القصة تم نشرها بعنوان

الانتقـــام - بريد الجمعه - 17/11/2006



وبعد ثلاث سنوات ارسلت صاحبة الرسالة تكملة القصة المؤلمة واليكم تفاصيلها ..



سيدي
أكتب لك من داخل القطار‏,‏ لذا اغفر لي ارتعاشة الكلمات وسوء الخط‏,‏
واستميح القراء عذرا في قسوة بعض التعبيرات وفجاجتها‏,‏ ولكني لم استطع
التعبير عن نفسي إلا بما حدث مجردا من أي تنميق أو تجميل‏.‏




وأناشدك ألا تقسو علينا‏,‏ فنحن بنات قسا الزمن علينا طويلا‏,‏ وأرواحنا ـ كما أجسادنا ـ كلها ندبات وجروح‏.‏



نحن
ست بنات‏,‏ خمس شقيقات‏,‏ والصغيرة من أم أخري‏..‏ عشنا أيام طفولتنا
وصبانا في عذاب لا يمكن وصفه أو تخيله بسبب قسوة أب تجرد من كل مشاعر
الإنسانية‏,‏ ولم نهنأ‏,‏ أو نغمض عيوننا إلا بعد موته الغريب والمفاجئ‏,‏
موته استمر‏5‏ سنوات‏,‏ واعتقدنا أن الحياة السعيدة بدأت‏,‏ وأن السماء
تعوضنا عما عانيناه‏,‏ ويبدو أنها كانت أضغاث أحلام‏,‏ فها هو الفزع يعود
من جديد‏,‏ والنوم يستعد لهجرة عيوننا التي أدماها البكاء‏.‏





دعني استرجع معك ذكرياتنا التي لا تفارقنا لحظة‏,‏ فكل
ألم عليه شاهد في الروح والبدن‏.‏ استيقظت عيوننا منذ الميلاد‏,‏ علي أم
كسيرة‏,‏ باكية دائما‏,‏ وأب لم نره في البيت إلا في يده سلك كهرباء
عار‏,‏ تنهال سياطه علي أجسادنا‏,‏ إذا بدر منا أي صوت‏..‏ هل يمكن تخيل
طفل لا يبكي؟‏..‏ نعم‏,‏ نحن‏,‏ كنا نعي أن البكاء حتي في الأشهر الأولي
يعني ألما غير مفهوم من يد شبح‏,‏ لم نكن نعرف ماذا يمكننا أن نناديه‏.‏





أتذكر الآن‏,‏ عندما كان عمري‏5‏ سنوات‏,‏ أمي حامل في
شهورها الأولي‏,‏ كانت تستحم‏,‏ سقطت في الحمام‏,‏ فأخذت تستغيث بصوت
منخفض حتي لا توقظ أبي النائم‏,‏ ولكنه للأسف مع بكائها‏,‏ هل يمكن أن
تتوقع ماذا فعل؟ لا أنسي ملامح وجهه في ذلك اليوم‏,‏ ملامح شيطانية
مفزعة‏,‏ لم يثنه دمها المراق علي الأرض‏,‏ لم يفزعه‏,‏ إنهال عليها ضربا
ورفسا في بطنها وشدها من شعرها خارج الحمام‏,‏ ونحن نبكي ونصرخ رعبا‏,‏
حتي تجمع الجيران‏,‏ وأخذها أحدهم فاقدة الوعي إلي المستشفي‏,‏ بينما توجه
هو إلي غرفة نومه‏.‏ يومها أصبت أنا الأخري بانهيار عصبي وظللت مريضة فترة
طويلة‏.‏





سيدي‏..‏ هل لك أن تتخيل ماهو جزاء أي واحدة فينا‏,‏ لو
لم تتفوق في المدرسة؟‏..‏ يحلق شعرها‏,‏ ويغرس وجهها في صفيحة الزبالة ثم
ينهال عليها ضربا بالسلك العاري حتي تفقد وعيها من شدة الألم‏.‏






لم يكن أبي ينفق علينا‏,‏ ولا تظن أنه كان فقيرا‏,‏ بل كان كما يقولون
يلعب بالفلوس لعب‏,‏ معه أموال كثيرة من تجارة الغلال‏,‏ ولكنه كان يأمرنا
بالعمل ونحن أطفال لنشتري ملابس المدرسة‏,‏ وننفق علي أنفسنا‏.‏ كنا نمسح
سلالم أقاربنا والجيران مقابل أجر‏..‏ أما أمي فقد اشتري لها إخوالي
ماكينة خياطة‏,‏ إضافة إلي عملها في مصنع مجاور لمنزلنا حتي تنفق علينا‏.‏





ذات يوم جاءت أختي متأخرة قليلا من المدرسة‏,‏ فانهال
عليها ضربا‏,‏ حتي هربت من البيت‏,‏ غابت أسبوعا ثم عادت‏,‏ وبعد العلقة
المعتادة اصطحبها عند طبيبة نساء للتأكد من عذريتها‏,‏ ثم قرر تزويجها
فورا‏,‏ أراد تزويجها من شيال في مقلاة لب‏,‏ وأمام قراره‏,‏ لم تجد أختي
إلا الانتحار حلا‏,‏ أحرقت نفسها‏,‏ تركتنا للعذاب ورحلت‏.‏ هل تعرف ماذا
فعل هذا الرجل الذي يطلق عليه أبا قال بأعلي صوته‏:‏الحمد لله ارتحت من
واحدة‏,‏ عقبال الباقي‏.‏





اقترح اخوالي علي والدتي أن تترك له البنات الكبار‏,‏
وتذهب معهم بالبنات الصغار‏,‏ ولكن أمي رفضت خوفا علي الكبار والصغار من
بطشه وجبروته‏,‏ فقد كانت تري في وجودها بعض الحماية لنا‏.‏






سيدي‏..‏
لايمكن لأحد تخيل معني الذل والحرمان مثل الذي يعانيهما‏..‏ لن يستوعب أحد
معني استحالة أن تتحرك من موقعك في البيت أو تمشي حافيا لأن والدك نائم‏.‏
لن يفهم أحد معني أن ترتدي طوال العام ـ صيفا وشتاء ـ فستانا ممزقا‏,‏
وتأكل رغيفا واحدا‏,‏ وتنام الليل خائفا‏,‏ وتصحو النهار مذعورا‏.‏





لك أن تتخيل كل شيء‏,‏ كل أنواع العذاب والقهر والألم‏,‏ فليست أزمتنا الآن فيما فات‏,‏ ولكن دعني أكمل لك‏:‏




منذ‏14‏
عاما‏,‏ أصيبت أمي بنزيف حاد‏,‏ مما أغضب أبي‏,‏ فانهال عليها ضربا‏,‏
واستنجدنا بأخوالي‏,‏ نقلناها إلي المستشفي‏,‏ ولكن قضاء الله كان
أسرع‏..‏ ماتت أمي‏..‏ كلمة الحنان في الحياة‏,‏ ورفض القاسي تسلم جثتها
حتي دفنها أخوالي‏.‏ وفي الأربعين دخل أبي علينا البيت وفي يده مطلقة
عمرها‏20‏ عاما قال إنها زوجته‏..‏ وقتها كنت أعيش معه أنا وشقيقتي
الصغري‏,‏ بعد زواج شقيقاتي‏.‏ جمعنا أبي وقال لنا‏:‏ لو شكت لي منكم
كلمة‏,‏ فسأضع سلك الكهرباء في عيونكما‏,‏ وفرغ شقيقتي من عملها في مقلاة
اللب لتخدم زوجته الجديدة‏,‏ أما أنا فكنت أسارع بالعودة من عملي‏,‏ حتي
أنظف البيت وأطهو لهما الطعام‏.‏





المهم التفاصيل متعددة‏,‏ ولكن الأهم أن أبي تزوج ثلاث
مرات بعد أمي‏,‏ وآخر واحدة حملت رغما عنه فطلقها‏,‏ وعاش بدون زواج حتي
حدث ما حدث‏!.‏





سيدي‏..‏ منذ‏8‏ سنوات‏,‏ ذهب والدي
لأداء العمرة ولم يعد‏..‏ انقطعت أخباره عن الجميع منذ سفره‏..‏ توجه
أعمامي عدة مرات إلي السفارة السعودية يسألون عنه بلا جدوي‏..‏ لا يعرف
أحد له طريقا‏.‏ هل تدري كيف كان إحساسنا مع كل يوم نتأكد من
غيابه؟‏..‏أصابتنا كريزة ضحك‏,‏ صرخنا زمن العذاب انتهي‏,‏ روحة بلا
رجعة‏..5‏ سنوات عشناها علي أعصابنا حتي أقمنا دعوي أمام المحكمة لاعتباره
مفقودا وعملنا إعلام وراثة‏.‏ بعدها فقط بدأنا نشعر أننا آدميون‏..‏
انطلقنا في الشقة‏,‏ مزقنا صوره‏,‏ ألقينا بملابسه في صناديق القمامة‏,‏
حتي الملاية التي كان ينام عليها والبطاطين التي استخدمها‏,‏ شبشبه‏,‏
الأكواب التي كان يشرب فيها‏,‏ الكرسي الذي جلس عليه‏,‏ كله حطمناه‏,‏
تخلصنا منه‏,‏ أتعرف ما الذي كان يؤلمنا ويعذبنا؟ أنه مات بدون عذاب‏,‏ لم
يعش أمامنا ذل المرض‏.‏





حصلنا علي أمواله التي حرمنا منها واكتنزها في البنك‏,‏
كل واحدة فينا بدأت تتحدث عن أحلامها‏,‏ واحدة ستشتري ذهبا‏,‏ والأخري
تشتري محلات ملابس‏,‏ والثالثة تشتري سوق الخضار واللحوم‏,‏ وهكذا بدأنا
في تنفيذ أحلامنا‏,‏ لا يعكر صفو حياتنا سوي منازعات أعمامنا فيما هو حق
لنا‏.‏






سيدي‏..‏ كان كل شيء يسير طبيعيا حتي جاء هذا
اليوم‏..‏ في شهر رمضان الماضي دعتني زميلتي إلي عقد قرانها في أحد
المساجد‏,‏ صليت ركعتين تحية للمسجد‏,‏ وفيما أنا خارجة في طريقي إلي
القاعة‏,‏ لا أدري ما الذي دفعني للنظر خلفي‏,‏ هل يمكن تصور من كان يجلس
علي الأرض؟‏..‏ إنه أبي‏,‏ رجل عجوز ممزق الملابس‏,‏ لا يمكن‏,‏ هل عاد
أبي‏,‏ أصابني الفزع واستعدت كل تاريخي‏,‏ اختبأت‏,‏ خشيت أن يراني‏,‏ ثم
توجهت إليه وأنا ارتجف‏,‏ نظرت إليه فلم يعرني اهتماما‏,‏ استيقظت علي
نداء صديقاتي‏,‏ فحضرت عقد القران‏,‏ ثم توجهت إلي إمام المسجد وسألته‏:‏
هل تعرف هذا الرجل‏,‏ فقال لي إن أحد أقاربه أتي به منذ فترة من القاهرة
وأخبرنا أنه كان يعالج في المستشفي‏,‏ ويخدم في المسجد‏,‏ ويغسل السلالم
في العمارات المجاورة‏.‏





هل يمكن تخيل ذلك‏,‏ والدي الذي كان يصحو العصر من
نومه‏,‏ ويرتدي أفخر الثياب‏,‏ يمسح السلالم ويجلس علي الأرض‏.‏ طلبت من
الإمام أن يدعوه‏,‏ وسألته إيه حكايتك فقال لي‏,‏ إنه كان في مستشفي في
السعودية‏,‏ والسفارة هناك أخبرته أنه مجهول الاسم‏,‏ وهو لا يتذكر أي شيء
عن شخصيته‏,‏ وعملوا له وثيقة سفر ورحلوه لمصر‏..‏ هو يحكي وأنا أستعيد كل
المشاهد القديمة تفصيليا‏..‏ بكيت وبكيت‏,‏ لم أعرف لماذا أبكي‏,‏ هل هذا
الرجل المنكسر الذي ينظر لي بمحبة وحزن هو أبي الظالم‏..‏





يمد يده ليأخذ مني بعض النقود‏,‏ أتذكره وهو يقذف في وجهي
صينية الطعام لأني نسيت شيئا‏,‏ يعيدني صوته وهو يدعو لي‏:‏ربنا يطعمك ما
يحرمك‏.‏ سألته‏:‏مش فاكر أنت كنت إيه زمان؟ وأرد في نفسي‏:‏ كنت شريرا‏,‏
قاسيا‏,‏ بتضرب بسلك الكهرباء والشلوت ومسمينا الحلاليف‏.‏ نظر إلي طويلا
وقال‏:‏ أنا حاسس إن ربنا بيعاقبني علي شيء عملته وغضبان علي‏.‏ لا أعرف
من أين أتيت بهذه الدموع‏,‏ هل كنت أبكي عليه أم لأنني تذكرته وهو يجر أمي
من شعرها وهي تنزف‏..‏ أتذكره وهو يرفض الذهاب إلي المستشفي لدفنها‏.‏





عدت إلي البيت‏,‏ دعوت شقيقاتي وحكيت لهن ما حدث‏,‏ لم
يصدقن ما سمعنه‏,‏ فقررنا استدعاء محامينا‏,‏ واتفقنا علي الذهاب إليه
لرؤيته‏..‏ إندفعنا نحوه‏,‏ كادت واحدة تناديه بابا منعناها‏..‏ جلسنا معه
وبدأ المحامي يحكي لي حكايتنا مع أبينا ـ الذي هو الجالس أمامنا ـ تعمدنا
ذكر بعض كلماته مثل الحلاليف حتي نتأكد من ذاكرته‏,‏ فوجئنا به يبكي
ويقول‏:‏كيف لأب يفعل ذلك في بناته‏,‏ أنا كان نفسي يكون لي بنات
مثلكم‏..‏ قالت له أختي‏:‏مش يمكن ولادك لو عرفوا إنك عايش يتبروا منك‏,‏
نظر إليها باندهاش قائلا‏:‏ليه يابنتي إنت قاسية قوي كده‏.‏





المهم سيدي‏..‏ عدنا إلي البيت أكثر حيرة‏,‏ جاء خالي لنا
وأخبرناه‏,‏ فقال إنه لابد أن يعود إلي بيته‏,‏ فهذا حقه‏..‏ وقال
المحامي‏:‏ إنه لو عاد سيستعيد أمواله منكن‏,‏ أعمامكم سيرفضون‏,‏ وسيقدر
عليكن‏,‏ ولو عالجناه‏,‏ قد يعود إلي ما كان عليه وينتقم منكن‏.‏ قلنا مرة
ثانية عذاب وذل وبهدلة‏.‏





اتفقنا أن نذهب له كل شهر‏,‏ نمنحه صدقة تكفيه وطعاما
وملابس‏..‏ فكرنا في إدخاله مستشفي والانفاق عليه ولكن خشينا أن يشفي
ويفهم ما فعلناه به فينتقم منا‏.‏




سيدي‏..‏ عقولنا ترفض
عودته‏,‏ ولكن ضميري يؤلمني‏,‏ صوت في داخلي يقول لي‏:‏إرحمي عزيزا ذل‏,‏
إرحمي آباك في شيخوخته‏,‏ يكفي ما يراه من عذاب‏,‏ يغسل سلالم العمارات في
عز الشتاء‏,‏ ألا يكفي انتقام الله‏.‏






منذ أيام ذهبنا إليه وجدناه مريضا في حجرة متواضعة
بجوار المسجد‏,‏ وقال لنا إمام المسجد‏:‏ إن الطبيب أخبرهم بمرضه بالسكر
والضغط وماء علي الرئة‏..‏ أهل الخير أحضروا له الدواء‏..‏ وجدت بجواره
كيسا فتحته وجدت به خبزا عفنا‏..‏ أتألم له ومنه‏..‏ أتذكر ذات صباح عندما
استيقظ من النوم فلم يجد خبزا طازجا‏,‏ ففتح رأس أمي بغطاء ماكينة
الخياطة‏..‏ وها هو اليوم يأكل خبزا عفنا‏..‏ يا الله‏!.‏





سيدي‏..‏ نعيش في أزمة بين ضمائرنا وبين ذكرياتنا
المؤلمة‏..‏ نعجز عن الاتفاق علي قرار‏..‏ فقررنا الاحتكام إليك‏,‏ لعلك
تساعدنا علي اتخاذ القرار السليم بدون أن تظلمنا‏!.‏



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


سيدتي

ألتمس الأعذار لمن يري الظلم ويعاني منه‏,‏ وتغيب أو
تتأخر عدالة الله سبحانه وتعالي ـ لحكمة يعرفها ـ عن أنظار العباد‏..‏
ولكن عندما يأتي عقاب الله وإنتقامه من الظالم أمام عيني المظلوم وفي
حياته‏,‏ أتساءل كيف لهذا المظلوم أن ينقلب إلي ظالم غافلا عن عدالة
الخالق العظيم الذي يمهل ولا يهمل‏.‏


سيدتي‏..‏ من يقرأ الجزء الأكبر من رسالتك‏,‏ لابد أن يغضب ويتألم
ويطالب بالقصاص من مثل هذا الأب‏,‏ ومن يقرأ الجزء الأخير‏,‏ لابد أن
يتمهل ويعيد النظر إلي الصورة مكتملة قبل أن يصدر حكمه بدون قسوة أو
اندفاع عاطفي‏.‏



أعتقد أنك لست في حاجة الآن للتعبير عن الرفض الكامل لسلوكيات والدك قبل
فقدانه لذاكرته‏..‏فمهما كانت الكلمات فلن تعبر عن الألم والمهانة التي
تعرضتم لها جميعا من سلوكيات هذا الأب‏,‏ والذي لولا نهايته‏,‏ لكان
الكلام فيها لا ينتهي‏,‏ فما فعله بعيد عن الإنسانية كل البعد‏,‏ وليس فقط
بعيدا عن الأبوة‏.‏


ستقولين إنه الماضي الذي يعيش فيكن حتي الآن‏,‏ ولكن الآن ليس أمامك
إلا التعامل مع الحاضر من أجل المستقبل‏,‏ فالعيش في الماضي لن يزيدكن إلا
ألما‏.‏


فعندما تصلني رسالة غاضبة من ابن لسوء سلوك أو رعاية أحد
والديه‏,‏ تطل أمام عيني الآية الكريمة‏:‏ وإن جاهداك علي أن تشرك بي
ماليس لك به علم‏,‏ فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا‏..‏ الخالق‏,‏
الجابر‏,‏ المنتقم‏,‏ عندما يصل الأمر إلي الدعوة للشرك به من أحد
الأبوين‏,‏ يأمرنا بعدم طاعتهما في هذا فقط‏,‏ بينما يطالبنا سبحانه
وتعالي بمصاحبتهما في الدنيا معروفا‏,‏ هذا في حقه‏,‏ فما بالنا لو الأمر
يتعلق بنا نحن الأبناء البشر‏,‏ ألا ترين أن في هذه المصاحبة والتكريم
أمرا إلهيا يجب الامتثال إليه‏,‏ فإذا سلمنا بذلك‏,‏ واستندنا إلي أمر
الإحسان ـ المتكرر في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ـ إلي الوالدين‏,‏
وقررنا أن يكون القرار ابتغاء لمرضاة الله‏,‏ فإن قراركن سيكون واحدا
ومحددا‏.‏


سيدتي‏..‏ إن لذة الانتقام لا تدوم سوي لحظة‏,‏ أما الرضا الذي يوفره
العفو فيدوم إلي الأبد‏,‏ واستمعي إلي قوله سبحانه وتعالي وليعفوا
وليصفحوا‏,‏ ألا تحبون أن يغفر الله لكم‏....‏ ألا تحبون أن يغفر لكم
الله‏,‏ كم هو مقابل زهيد‏,‏ مهما تكن قسوة الأيام‏,‏ فالتسامح يا عزيزتي
جزء من العدالة‏.‏


لا أريد أن أدخل معكم في فرضيات‏,‏ لأن إذا قلت أنكن لو عالجتوه
وأحسنتم إليه قد يعود إلي سيرته الأولي‏,‏ سأقول لكم ومن أدراكن أن الله
قد يعيد إليه ذاكرته الآن ويزداد انتقامه منكن لأنكن تركتموه‏.‏


إن
ما أنتن فيه من حقه‏,‏ إنه ماله حتي ولو كان ظالما لكن‏,‏ وعودته وهو فاقد
الذاكرة ـ علي قدر ما أعرفه ـ لا يعطيه الحق القانوني في التصرف فيما يملك
لأنه ليس أهلا لذلك‏,‏ ولكن نصيحتي لك ولشقيقاتك أن تكون قبلة قراركن
خالصة لوجه الله سبحانه وتعالي‏,‏ وأن تذهبن إليه فورا وتعدنه إلي بيته
وتحرصن علي علاجه‏,‏ وثقي بأن الهناء والاستقرار والسعادة لن يعرفوا
طريقهم إليكن إذا ظل أبوكن ملقي في الطريق‏.‏ إن المنتقم يرتكب نفس
الخطيئة التي ينتقم لأجلها‏,‏ فلا تواصلن حياتكن وأنتن ترتكبن نفس
الخطيئة‏,‏ والأولي أن يبكي الابن من أن يبكي الأب‏,‏ كما قال المفكر
بترارك‏.‏


وخذي وعد الله سبحانه وتعالي في كتابه الكريم‏:‏عفا الله عما سلف‏,‏
ومن عاد فينتقم الله منه‏,‏ والله عزيز ذو انتقام‏..‏ وإلي لقاء بإذن
الله‏.‏



بريد الجمعة يكتبه - خيري رمضان




هذا الوحش! ...



بريد الجمعه ... 2009 -11- 20



سـيدي‏..‏
أرجو أن تتذكرني‏,‏ ويتذكرني قراء بابك الأعزاء‏,‏ فأنا صاحبة رسالة
الانتقام التي نشرت بجريدتكم في‏2006/11/17,‏ نعم أنا التي كتبت لك عن
والدي‏,‏ الذي كان يعاملنا ـ أنا واخواتي وأمي ـ معاملة مهينة حتي فقدت
أمي الحياة‏,‏ كمدا‏,‏ ورفض تسلم جثتها ودفنها ‏,‏ ثم تزوج بعدها عدة
مرات‏,‏ وبعد أن ذهب لأداء العمرة‏,‏ انقطعت أخباره عدة سنوات حتي صدر
قرار المحكمة بفقده‏,‏ وحصلنا علي ميراثه‏,‏ ولكن شاءت إرادة الله أن أجده
مصادفة بعد سنوات‏,‏ عجوزا منهكا‏,‏ فاقدا للذاكرة‏,‏ يمسح سلالم
العمارات‏,‏ ويتسول ثمن طعامه‏,‏ ودوائه‏,‏ بعد ان كان في رغد من العيش‏,‏
يحرمنا نحن منه‏,‏ ويهيننا في أعمال مرهقة لننفق علي أنفسنا‏!‏


سيدي‏...‏ قرأت ساعتها ردك علي رسالتي‏,‏ ونصيحتك لنا ـ أنا واخواتي ـ
بالعفو‏,‏ وإطفاء نار الانتقام‏,‏ الذي لن تدوم لذته سوي لحظات‏,‏ فجمعت
أخواتي‏,‏ وأخذتهم ومعنا المحامي وذهبنا لنري أبي الذي عاد‏..‏ سألنا
عليه‏,‏ فدلنا أولاد الحلال علي مكانه‏,‏ وعلمنا انه تم نقله الي أحد
المستشفيات الحكومية‏,‏ فذهبنا اليه هناك‏,‏ ورأينا مشاهد مؤلمة‏,‏ فقد
كان ينام علي مرتبة متهالكة‏,‏ في حجرة كئيبة‏,‏ بها كثير من المرضي‏,‏
الذين أخبرونا أنه يذهب كثيرا في غيبوبة‏,‏ وأن الاطباء يريدون ان
يخرجوه‏,‏ ولكنهم لايعرفون أهله حتي يتسلموه‏.‏


ذهبنا للطبيب لنسأل عن حالته‏,‏ فقال انه
يعاني من أمراض كثيرة‏:‏ ضغط وسكر ومياه علي الرئة‏,‏ وتليف بالكبد‏,‏
ودوالي بالمريء‏,‏ نقلناه الي أحد المستشفيات النظيفة بالقاهرة علي
مسئولية المحامي‏,‏ وعندما أفاق من الغيبوبة بكي بشدة‏,‏ وقال‏:‏
وحشتوني‏,‏ لماذا لم تأتوا الي منذ فترة‏,‏ بكينا سيدي من هذه الكلمات‏,‏
ومن حالته المأساوية‏,‏ ومن وصف الأطباء لأمراضه الكثيرة‏,‏ كان يقول هذه
الكلمات ودموعه تغرق وجهه الذي سكنته الشقوق والجروح‏,‏ وكأنه كان يشعر
أننا أولاده‏!!‏


بعد أيام‏,‏ طلب منا الاطباء الاهتمام بعلاجه‏,‏ ونظافته‏,‏
ومعيشته‏,‏ وفوجئنا به يطلب منا أن نخرجه من المستشفي لأنه علم أن الغرفة
التي يقيم بها غالية الثمن‏,‏ وسامح الله شقيقتي‏,‏ فقد قالت له‏:‏ انت في
حجرة متحلمش بيها أخفي وجهه في الملاءة‏,‏ وقال لي‏:‏ اخرجيني يا ابنتي من
هنا‏,‏ واقرضيني ثمن العلاج‏,‏ وسوف أسدده لك إن شاء الله‏,‏ فقالت له
أختي‏,‏ ومن أين ستسدد؟ قال‏:‏ سوف أعمل‏,‏ سأنظف البيوت‏,‏ وأمسح
السلالم‏,‏ هذا هو عملي‏,‏ وان لم استطع تسديد دينكم سأعمل عندكم بثمن
العلاج‏,‏ أمسح سلالم شققكم‏,‏ وأنظفها‏!‏


لم تعط شقيقتنا لنا فرصة لنشفق عليه بعد هذا
الموقف‏,‏ فعلي الفور قالت له‏:‏ لقد كان لنا أب‏,‏ لكن لم يرحمنا‏,‏ ولم
يرحم أمنا‏,‏ حتي وهي مريضة‏,‏ فكان يجبرها علي العمل ويقول لها اشتغلي
بلقمتك علي الرغم من أنه كان يمتلك كثيرا من الأموال‏,‏ ولكنه اليوم علي
استعداد للعمل عند أولاده‏,‏ يخدمهم‏,‏ ليسددوا نفقات علاجه‏,‏ وهنا تدخلت
أنا‏,‏ وأخبرته أننا ننفق هذه الأموال عليك صدقة عن أمي المتوفية‏,‏ فأنت
مثل والدنا‏,‏ نهرتني أختي قائلة‏:‏ متطمعهوش فينا‏,‏ انت السبب‏,‏ ربنا
ياخدك معاه‏,‏ كان لازم تقابليه‏,‏ وترجعيه تاني‏.‏


أصر أحد أخوالي علي الذهاب الي أعمامي‏,‏ ليخبرهم أن أخاهم أبو البنات
قد عاد‏,‏ وأنه حي‏,‏ لم يمت‏,‏ ويعالج في المستشفي‏,‏ فكذبوه‏,‏ وحضروا
إلي المستشفي‏,‏ وحدثت بيننا خناقة كبيرة وضربونا‏,‏ وكانت فضيحة في
العائلة‏,‏ ولكن خالي ذهب الي قسم الشرطة‏,‏ وعمل محضرا ضد أعمامي‏,‏ وجاء
أمين الشرطة للمستشفي ليسأل العجوز‏:‏ انت مين؟‏..‏ قال‏:‏ أنا معرفش
حاجة‏,‏ هؤلاء البنات ساعدوني‏,‏ وأحضروني للمستشفي للعلاج‏,‏ وقال
للاطباء اني فاقد للذاكرة‏,‏ ولكني لو كنت فعلا أباهم‏,‏ فأنا مش عاوزهم
يعرفوني تاني‏..‏ قالها سيدي‏,‏ وهو يبكي بحرقة‏,‏ فكيف لأب ان يضرب
بناته‏,‏ ويعذبهم‏,‏ بل ويكون سببا في وفاة أمهم‏,‏ هل كنت أنا هذا
الوحش‏,‏ ان كنت كذلك‏,‏ فلا أريد أن أذكرهم بما عانوه معي‏!!‏


خرج الرجل من المستشفي‏,‏ بعد علاجه‏,‏ وعلم اننا بناته‏,‏ وكان كلما
يري واحدة منا يداري وجهه‏,‏ وهو يبكي ويقول اللهم قصر أيامي فأقول له انت
مش مبسوط انك عرفت ولادك‏,‏ فيقول كان نفسي أكون مبسوط ولكن ذكرياتي معكم
ذكريات موت ولهذا لن استطيع العيش معكم‏,‏ سأعود إلي حجرتي الصغيرة‏,‏
أكنس وأمسح السلالم‏,‏ والبيوت‏,‏ ولكن كل ما أطلبه منكم يا ابنتي هو ان تسامحوني‏..‏ سامحوني أرجوكم‏!!‏


كررها
سيدي أكثر من مرة‏...‏ سامحوني‏,‏ فقلت له لو سامحناك نحن في حقنا‏,‏ فمن
يسامحك في حق أمي؟‏...‏ فقال وهو يبكي يا ابنتي‏..‏ ياويلي من عذاب
الله‏,‏ فلا أدري ماذا أقول لربي عندما يسألني‏,‏ لماذا لم تنفق علي
بناتك‏,‏ وقد رزقتك مالا كثيرا‏,‏ لماذا تركتهن ومعهن زوجتك المريضة يعملن
لينفقن علي أنفسهن؟




..‏ ماذا سأقول لربي إذا سألني لماذا لم تتسلم جثة زوجتك‏,‏ وتدفنها؟‏!‏

أخذته
أختي الوسطي بعدها ليعيش معها‏,‏ ولكنها ـ سامحها الله ـ كانت تعطي له
العلاج علي معدة خالية لأنها كانت تقوم من النوم متأخرة‏,‏ وكان أول طعامه
هو العيش الناشف فكان يطلب منها ان تبلل له العيش ليستطيع مضغه‏,‏ فكانت
تغرق العيش في الماء حتي يتفتت‏,‏ فيلملمه بأصابعه الضعيفة‏,‏ وهو لا يملك
ما يسد جوعه غير ذلك‏,‏ وكانت كلمته التي يرددها دائما أهي أكلة والسلام‏!‏


لا استطيع ان أنسي مشهده‏,‏ سيدي عندما ذهبت لزيارته يوما‏,‏ فوجدته
جالسا عند باب الشقة من الداخل‏,‏ حزينا وخائفا فسألته ماذا جري؟ فأخبرني
أنه تبول لا اراديا علي مرتبة السرير وان شقيقتي قد نبهت عليه الا يفعلها
مرة أخري‏,‏ بكي بشدة وترجاني ان ارحل به من عندها‏,‏ فأخذته وذهبت به الي
اختي الاخري‏,‏ فقد كنت رافضة أن يعيش معي في الشقة‏,‏ فأنا أعيش
منفردة‏,‏ وكنت لا أريد أن أعيش لخدمته‏,‏ وكنت أقول لنفسي في بعض الأوقات
اتركيه يتبهدل عند ولاده ثم اذهبي به لحجرة الموت التي كان يعيش فيها‏..‏
أعرف انكم جميعا ستدعون بأن ينتقم الله مني‏,‏ وقد قلتها بالفعل لنفسي‏!!‏


عندما دخلنا علي أختي باغتته بسؤال‏:‏ انت لسه
عايش‏,‏ وكمان هتعيش معايا‏!‏ تعلق الرجل في يدي‏,‏ وبكي‏,‏ واستحلفني الا
أتركه‏,‏ وأصطحبه معي‏,‏ فأخبرته أنها أيام قليلة‏,‏ ثم يعود إلي حجرته
الأصلية‏,‏ تركته سيدي‏,‏ ولكن ظلت نظرة عينيه لا تفارقني دقيقة‏,‏ وهو
يتوسل لي ألا أتركه‏,‏ فعدت بعد أسبوع لزيارته‏,‏ فوجدته نائما علي كنبة
ببلكونة المنزل‏,‏ وعلمت أن شقيقتي كانت تكلفه بنظافة المنزل‏,‏ ومسحه‏,‏
وكأنه خادمة‏,‏ حتي إن زجاج الشباك أصاب إصبعه‏,‏ فلم تكلف نفسها عناء
علاجه‏,‏ وتركته ينزف ويعاني‏!!‏


أمسك بيدي ورجلي‏,‏ وترجاني أن أعود به إلي حجرته‏,‏ ووعدني أنه سيطلب
من أولاد الحلال سداد ما أنفقناه عليه في علاجه‏,‏ أخذته‏,‏ وذهبت به إلي
حجرته الصغيرة التي يسكن بها في مدينة طنطا‏,‏ وأعطيت أموالا لشيخ المسجد
لكي يقوم علي رعايته‏,‏ ثم سافرت‏,‏ وما إن نزلت في محطة القطار‏,‏ إلا
ووجدتني أعود مرة أخري‏,‏ وأستقل القطار العائد إلي طنطا‏,‏ وعندما دخلت
عليه انهار في البكاء‏,‏ وقال كنت أعلم أنك ستعودين‏,‏ أنت فقط من أشعر
بك‏,‏ استلقيت في حضنه ـ لأول مرة ـ إنه أبي يأخذني في حضنه الدافيء‏,‏
بكيت علي كتفيه‏,‏ غمرت وجهه الدموع‏,‏ ثم سألني‏:‏ هل سامحتيني‏..‏ فرحت
في صمت عميق‏,‏ ولكنه ليس علامة عن الرضا‏!!‏


لم أستطع أن أتركه بعد كل ذلك‏,‏ واصطحبته معي إلي شقتي‏,‏ كنت أبحث
عن رضا ربي‏,‏ قبل أي شيء‏,‏ علي الرغم من النار الدفينة التي كانت تسكن
أحشائي مما فعله معنا‏..‏ عشنا معا فترة شعرت فيها ـ لأول مرة ـ بطعم أن
يكون لك أب يربت علي كتفيك‏,‏ يحنو عليك‏,‏ كنت أدخل الشقة فأجده واقفا في
الشباك ينتظرني‏,‏ ويطمئن علي‏,‏ كان يطلب مني أن آخذه إلي مقبرة
والدتي‏,‏ وعندما وقف أمامها‏,‏ بدأ في قراءة القرآن‏,‏ وبكي كثيرا‏,‏ ثم
طلب منها أن تسامحه‏,‏ وأن تشفع له عند الله ليسامحه‏.‏


لا أنسي هذه الأوقات التي كان يساعدني فيها في لملمة أوراقي التي كنت
أحضرها معي للعمل بالمنزل‏,‏ ثم نبدأ في اللعب علي الكمبيوتر‏,‏ لم أعد
أحتمل البيت بدونه‏,‏ فقد كان يذهب لزيارة حجرته‏,‏ التي كان يسكن بها‏,‏
فلم أتحمل هذه الساعات‏,‏ وذهبت فورا لإحضاره‏,‏ لا أخفي عليكم سيدي‏,‏
أنه حتي النوم أصبح له طعم في وجوده‏,‏ فكنت أستغرق في النوم‏,‏ وأنا
مطمئنة أن أبي معي في المنزل‏,‏ يحرسني بدعواته التي لا تنقطع‏,‏ ربنا
يكفيك شر عباده يا بنتي‏!!‏


في هذه الأوقات قررت أن أذهب لقضاء العمرة‏,‏ وعندما أخبرته‏,‏ ضحك‏,‏
وقال‏:‏ أوعي تفقدي الذاكرة‏..‏وبكي‏,‏ وقال لي‏,‏ ومن سيزورني‏,‏ ثم بدأ
يوصيني بالدعاء‏,‏ ووعدته بأن أصطحبه معي في المرة القادمة‏,‏ سافرت بعد
أن أعطيته تليفونا محمولا لكي أطمئن عليه‏,‏ وبعدها علمت أنه مرض‏,‏ ولم
يجد أحدا يدخله المستشفي‏,‏ وبعد أن قضيت عمرة رمضان‏,‏ عدت‏,‏ وأخذته إلي
المستشفي‏,‏ كان يعاني في هذه المرة‏,‏ يبتسم كثيرا‏,‏ ويبكي أكثر‏,‏
ويشرد بناظريه أكثر وأكثر‏..‏ وكان يردد دائما‏:‏ تري يا ربي هل خففت
عذابك عني‏,‏ تري هل تقبلت دعوتي؟‏..‏ هدأته‏,‏ وقلت له‏:‏ ارحم نفسك‏,‏
ولأول مرة نبض قلبي بالدعاء له‏,‏ أن يشفيه‏,‏ تركته في اليوم التالي‏,‏
وذهبت لعملي‏,‏ وعدت مسرعة بعد أن اتصلت بي الممرضة‏,‏ لتخبرني أنه في
غيبوبة‏,‏ فاقتحمت حجرة الرعاية المركزة‏,‏ ورميت نفسي فوق صدره‏,‏
وبكيت‏,‏ كما لم أبك من قبل‏,‏ وصرخت بأعلي صوتي‏..‏ يارب‏,‏ دعه يشعر
بي‏,‏ ولو لحظة واحدة‏,‏ لكي أقول له‏:‏ سامحني‏..‏ سامحني علي كل لحظة
عاملتك فيها بجفاء‏,‏ فقد كان كل ذلك رغما عني‏..‏ جلست عند قدميه‏,‏
وقبلتهما‏,‏ ثم قبلت رأسه‏,‏ واستحلفته ألا يتركني‏,‏ وطلبت منه



أن يغفر لي‏,‏ ثم ذهبت لأصلي‏,‏ وما هي إلا لحظات‏,‏ وحضرت الممرضة‏,‏ لتقول لي‏:‏ البقاء لله‏!...‏


رحل
أبي‏,‏ ورحت أنا في غيبوبة‏,‏ وعلمت بعد أن أفقت أن أعمامي رفضوا دفنه في
مقابرهم‏,‏ فدفنه خالي في مقابر العائلة‏,‏ بجوار أمي‏,‏ التي رفض ـ سابقا
ـ استلام جثتها‏,‏ وياللقدر ياسيدي‏,‏ فربما تكون قد سامحته هي الأخري‏!‏


الآن سيدي لم أعد أجد من ينتظرني بالمنزل‏,‏ لم
يعد هناك من يدعو لي‏,‏ أصبحت أعيش في وحشة الوحدة‏,‏ ويبدو أن انتقام
الله قد بدأ معنا‏..‏
نعم سيدي لقد بدأ انتقام الله معي‏,‏ وأخواتي‏,‏ فقد مرضت بهوس نفسي‏,‏
كنت أقطع هدومي‏,‏ وأجري في الشارع‏,‏ وأصرخ‏,‏ وأبكي‏..‏ أضحك‏,‏
وأرقص‏,‏ ثم أعود لأصرخ‏:‏ أبويا مات‏..‏ ياناس‏,‏ أبويا مات‏!!‏


أما شقيقاتي‏,‏ فسوف أقول لك ماحدث لواحدة منهن فقط‏,‏ وهي التي كانت
تطعم أبي العيش الناشف فقد أصابها مرض البهاق في جسدها كله‏,‏ ولم يتحملها
أحد‏,‏ حتي أولادها‏,‏ وزوجها‏,‏ وطلبوا مني أن آخذها لتعيش معي‏!!‏


سيدي‏..‏
قل ما شئت لنا‏,‏ فنحن في انتظار كلماتك‏,‏ أيقظ ضمائرنا‏,‏ ولكن قبل ذلك
كله مازال لدي سؤال أبحث له عن إجابة‏:‏ هل سامحني أبي؟‏!‏





رد الاستاذ خيري رمضان :

سيدتي‏..‏
نعم أتذكرك جيدا‏,‏ فمثل تلك القصة لا يمكن أن تمحي من الذاكرة‏!‏ هل
تصدقيني لو قلت لك أني أحكي تلك القصة حتي الآن لكثير ممن ألتقي بهم‏,‏
كما يسألني كثير من الأصدقاء والقراء عن حالة الأب أو بماذا انتهت
حكايتكم‏,‏ وها أنت جئت بعد سنوات لتضعي كلمة النهاية‏,‏ ولكن هل انتهت
قصتكم أم بدأت؟


سبق وحذرتكم ـ ياعزيزتي ـ من أن
المنتقم يرتكب نفس خطيئة المنتقم منه‏,‏ وأن والدكم عندما عاد لم يكن هو
هذا الوحش القديم الذي عذبكم وأهان والدتكم‏,‏ بل هو انسان عائد بفطرته
الأولي‏,‏ بخيره ومحبته وسلامه‏..‏ نعم نحن بشر ولسنا ملائكة‏,‏ قد نجنح
إلي الانتقام‏,‏ ولكن الله سبحانه وتعالي وضع ضوابطه لكبح جماح النفس
وتهذيبها‏,‏ فطالبنا بالعفو عند المقدرة‏,‏ ووعد الصابرين والعافين عن
الناس بجنات وخير كثير‏,‏ ونهانا عن معصية الوالدين وأمرنا بطاعتهما وألا
نقول لهما أف ولا ننهرهما ونصاحبهما في الدنيا معروفا حتي لو كان جهادهما
للإشراك به سبحانه وتعالي‏.‏


من
عاد إليكن ياسيدتي ليس والدكن قاسي القلب‏,‏ متجرد المشاعر‏,‏ الأناني
المتغطرس‏..‏ من عاد هو رجل مسن بائس‏,‏ قادكن العلي القدير إليه لترين
انتقامه وليكن درسا لكن تتعلمن منه وتوقن بأنه سبحانه وتعالي يمهل ولا
يهمل‏..‏ وبدلا من تأمل قدرة الله وفهم رسالته العظيمة‏,‏ تحرك الوحش في
داخلكن‏,‏ واستمتعتن بالشر‏,‏ ووجدتن لذة مرضية في إيذاء رجل عاجز فاقد
للذاكرة‏,‏ ليس فيه من والدكن إلا الجسد فبالغتن في إهانته وإذلاله‏,‏ وهو
التائب النادم علي أشياء لا يذكرها بل ينكرها علي أي أب‏,‏ يخجل منها
ويلتمس لكن العذر في الإساءة إليه‏.‏


سيدتي‏..‏ إنها النفس الأمارة بالسوء‏,‏ التي أخرجت الوحش الكامن فيكن
حتي أشقائه‏,‏ خشوا علي ما ورثوه عنه‏,‏ وتجاهلوا أنه حي يرزق‏,‏ وأن
ماامتلكوه هو مال حرام سيحرق حتما قلوبهم وأولادهم‏,‏ ولو كنت منهم الآن
لتصدقت بكل ما ورثوه علي روحه‏,‏ فعليهم أن يسارعوا بتوبة إلي ربهم لعله
سبحانه وتعالي يغفر لهم ويتقبل منهم‏.‏


سيدتي‏..‏ الحمد لله أن ضميرك قد
استيقظ قبل رحيل والدك‏,‏ فجعلك تستمتعين بوجوده معك‏,‏ لذا هوني علي
نفسك‏,‏ اطلبي المغفرة والتوبة‏,‏ صلي من أجله‏,‏ تصدقي وادعي له
بالرحمة‏,‏ وثقي في مغفرة الله فأبواب التوبة مشرعة للتائبين‏,‏ وما
يطمئنك أنه مات وهو راض عنك‏,‏ محبا لك‏,‏ ملتمسا كل الأعذار لما فعلته
معه من تصرفات لا تليق بأبنة تجاه والدها في مثل هذه الظروف‏.‏


الأزمة الحقيقية ـ ياعزيزتي ـ في شقيقتيك
وقلبيهما المتحجرين‏,‏ فقد نقلت لنا ما لحق باحداهما من انتقام إلهي‏,‏
ولم تذكري إذا كانت أفاقت من غفلتها واستقبلت الرسالة الإلهية‏,‏ أم مازال
قلبها غلفا ؟‏..‏ لعلها تلحق بنفسها وتستغفر الله وتتوب إليه وكذلك شقيقتك
الأخري‏,‏ فانتقام الله قادم لا محالة ومن يقتل الوحش بداخله فقد نجا‏,‏
أما من يستسلم له‏,‏ فلن يجني إلا عذابا في الدنيا والآخرة‏,‏ وإلي لقاء
بإذن الله‏.‏




تحيـــــــــــاتي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://rdpegypt.yoo7.com
 
الانتقـــام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حزب الإصلاح والتنمية :: منتديات الشعر والخواطر والقصص :: قصص حقيقية من واقع الحياة-
انتقل الى: